أحمد بن علي بن معقل الأزدي المهلبي
9
المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي شرف الإنسان بنطق اللسان على سائر الحيوان ، وفضل اللغة العربية على سائر اللغات بالبيان والتبيان ، وألقى في صدف الآذان من جوهر بحار الأذهان ما يربي على الدر والمرجان ، وألهم من الكلم المنظوم ما يوفي على المنثور إلا على القرآن ، وجعل الشعراء يتسابقون في حلبة الشعر كالخيل يوم الرهان : فمنهم مجل نبرز ، وسكيت مقصر عن مدى ذلك الميدان ، وميز بين الفكر الصحيح والسقيم في استخراج دفائن معان كالعقيان ، فلا يهتدي لإصابة عيون تلك المحاسن إلا المحسنو النضال والطعان ، وصلى الله على الكامل المبعوث من عدنان ، بأكمل الأديان إلى الإنس والجان ، وعلى آله وصحبه أولي الضل والإفضال واليمن والإيمان ، وبعد : فإني لما رأيت ما حظي به أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي من اعتناء الناس بشعره ؛ العالم منهم والجاهل ، ولهجهم بذكره ؛ النبيه فيهم والخامل ، والتقييد لأوابد أمثاله السيارة ، والتنقيب عن غوامض معانيه الحسنة المختارة ، والتمثيل بأبياته الشوارد ، والترتيل لآياتها في المشاهد ، والتضمين لها في صدور الكتب والرسائل ، والتزيين بها في قلوب المجالس والمحافل ، وكثرة الشارحين لها من الفضلاء ، والحانين عليها من الأدباء ، حتى لقد كادت تنسيهم أشعار الأوائل وتلهيهم عن تلك الفضائل ، فتهدم منها ذلك المنار ، وتطفئ منها تلك النار . وقد قال في ذلك بعض شعراء أهل العصر : ( الرمل ) يَا أبَا الطَّيَّب أَهْدَيْ . . . تَ لنا من فِيكَ طِيبَا مَنْطِقاً نَظْماً كَنظْم ال . . . درَّ في الدُّرَّ غَرِيَبا أَطْرَبَ الأنْفُسَ لَّما . . . راحَ للرَّاح نَسِيَبا مُنْسِيا ذِكْراهُ من ذِكْ . . . رى حَبِيبٍ وحَبيبَا